محمد بن زكريا الرازي
302
الحاوي في الطب
قال ج : ويستدل على عظم السدد من مقدار الحمى لأن السدد متى كانت أقوى وأشد تكون الحمى التابعة لها أصعب وأشد وبالضد ، فإذا استفرغته فأعطه شيئا من الأدوية والأغذية التي تجلو ، ولا يكون ذلك بعد وقت طويل ولا يمكن أن يستعمل منها الحارة فيمكن إذا أن تستعمل كشك الشعير وماء العسل والسكنجبين وحده مع إنه ليس يسخن ويجلو جلاء قويا ويقلع ما في المجاري والمنافذ ، والسكر يدخل في عداد هذه الأشياء التي تجلو وتفتح السدد ، فإذا فعلت ذلك فانظر كم نقص من حرارة الحمى ، فإن نقصت الحمى في اليوم الثالث ولا يكون البول عديم النضج ولا في العروق آثار للعفن فأدخله الحمام وأخرجه في وقت يكون بينه وبين الوقت الذي يخشى فيه ابتداء الدور خمس ساعات مستوية ، مثاله : إن كانت الحمى في أول نوبة في الساعة العاشرة فأفرغ من استحمامه في الرابعة ، وتقدم في تمريخه ودلكه بغاية الاعتدال بأشياء تجلو كدقيق الكرسنة والباقلي والعسل المضروب بماء كثير ، وأكثر جلاء من هذه أصل السوسن والزراوند والعسل القليل الماء ، وأشد من هذه أيضا جلاء رغوة البورق والنطرون والصابون ، واستعمل منها بقدر ذلك . لي : حمى يوم التي عن سدد ربما نابت أياما إذا كانت السدد عظيمة ولا تخرج بذلك عن حد حمى يوم لأنها ليست عفنية ولا دقا فإذا خرج من الحمام فلا يطعم ولا يسقى شيئا إلى أن يجوز الوقت الذي تخشى فيه النوبة خلا ماء الشعير قد طبخ فيه كرفس فإن كان ولا بد فماء الشعير ، ثم انتظر وإن لم تصبه النوبة وجاز وقتها فحمه ثانية إن أحب ذلك واغذه ، فإن رأيت الحمى فقسها بمقدار الأولى ، وتفقد أمر البول ، فإن كان مقدارها قليلا ضعيفا والبول صحيحا والنبض نقيا فاعلم أن السدد قليلة ما نقيت . وأدخله في اليوم الرابع الحمام واغذه وثق بأنه لا تصيبه نوبة ، وإن كانت الحمى في الثالث شديدة ولم تر لما فعلت من التفتيح والجلاء نقصانا عظيما فاعلم أن السدد قوية وأن الأمر قد آل به إلى عفن ، وعلاجه علاج حمى عفن . بلاديوس قال : إذا حدث ورم في الأربية ابتداء من سبب باد ثم هاجت منه حمى فذلك حمى عفن من ورم أو خلط رديء في الكبد أو في بعض الأحشاء . في حمى يوم من التخم قال : ولأن حمى يوم قد تكون من تخم ، وشر التخم في الأبدان المرارية التخمة الدخانية ، لأن التخمة الحامضة إنما تعرض لهذه الأبدان في الندرة ومضرتها لها يسيرة ، فمتى انطلقت الطبيعة مع التخم الدخانية كان الضرر أقل وبالضد ، لأن الأبدان المرارية متى احتبس طبائعها مع تخمة دخانية حموا سريعا وخاصة إن تصرفوا في أعمالهم وتركوا الراحة والنوم . وقد تعرض أيضا الحمى لكثير منهم إن انطلقت طبائعهم ، لأنه يصير فيهم ذرب قوي فيكون كثرة اختلافهم وحركتهم عونا لهيج الحمى ، فإن كان مع ذلك لذع أو وجع أو حرارة مفرطة في الأمعاء والمعدة كان ذلك أعون في تزيد حرارة الحمى وأحرى أن ييبسها وليست مداواة من انطلقت طبيعته منهم ومن احتبست واحدة .